أحمد بن محمد ابن عربشاه
104
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وقد هشموه وكسروه وحطموه ، وكاد يهلك مما رجموه فعند ما نظر إليه رق له وعطف عليه ، وقال : أفضل المعروف إغاثة الملهوف ، وإن لم يكن بيننا سابقة صداقة ، ولا وشيجة « 1 » محبة ولا علاقة ؛ بل عداوتنا جبلية ، ومباينتنا أزلية ؛ لكن فعل الخير لا يبور ولله عاقبة الأمور ، وإذا قصد الإنسان فعل الخير فلا عليه أن فعله مع أهله أو الغير ، وقد قيل للتمثيل : أيها الإنسان قد عداك الذم افعل الخير وألقه في اليم . ثم منع عنه الكبير والصغير وساعده على الخروج من البير ، واستنقذه من أيديهم ، وأطلقه ؛ فكان كمن اشتراه وأعتقه . فلما رأى العفريت هذا الإحسان من ذلك الإنسان من غير سابقة ولا عرفان ، قبل يده ورجله وشكر له هذه الفعلة ، وقال : إني عاجز عن مكافأتك يا إنسان في هذا الأوان ، وأنا اسمى فلان ، فإن وقعت في ضيق ، أو ضللت في طريق فنادنى باسمي أحضر إليك بجسمي ، وأنفعك في ضيقك وأرشدك إلى طريقك ، وأكافئك أيها اللوذعى « 2 » بما فعلته معي . ثم ودّع كل صاحبه وخالف في السير جانبه ، فوصل السّيّاح إلى بلد من البلاد له فيها صديق حدّاد ، فنزل عنده فأكرمه ورحب به وخدمه ، وكان لتلك البلدة عادة حسنة أنهم في يوم معيّن في كل سنة يقربون من يقدم عليهم فيه ، ولا يسألون أخامل هو أم نبيه ؟ فإن لم يقدم عليهم غريب في ذلك اليوم ، اقترع فيما بينهم القوم ، فمن خرجت قرعته سحبوه وكسروا قرعته وقربوه « 3 » ، فوافق ذلك اليوم قدوم السائح ، ولم يرد سواه من غاد ورائح ، ولا شعر به أحد من أهل تلك البلد . فأخذوا في القرعة بالاجتهاد فطرقت القرعة قرعة الحداد ، فقبضوا عليه وعزموا على تقريبه .
--> ( 1 ) صلة ورابطة . ( 2 ) الذكي . ( 3 ) أي جعلوه قربانا .